كمال الدين دميري

177

حياة الحيوان الكبرى

ثلاثة أوحش ما في الورى يا ليت شعري أيها أوحش « 1 » البرغن : بفتح الباء والغين المعجمة وضمهما ولد البقرة الوحشية . البرغوث : بالثاء المثلثة واحد البراغيث . وضم بائه أشهر من كسرها وقولهم : أكلوني البراغيث لغة طيىء ، وهي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله « 2 » تعالى : * ( وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * على أحد المذاهب وقوله « 3 » عز وجل * ( خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ ) * ومثل : يتعاقبون فيكم ملائكة ، وقوله في صحيح مسلم وغيره : « حتى احمرتا عيناه » وأشباهه كثيرة معروفة . وقال سيبويه : لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال والضمير في وأسروا النجوى فاعل والذين بدل منه . وكنية البرغوث أبو طافر وأبو عدي وأبو الوثاب ، ويقال له طامر بن طامر . وهو من الحيوان الذي له الوثب الشديد ومن لطف اللَّه تعالى به ، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده ، لأنه لو وثب إلى أمامه ، لكان ذلك أسرع إلى حمامه . وحكى الجاحظ « 4 » عن يحيى « 5 » البرمكي ، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران ، كما يعرض للنمل . وهو يطيل السفاد ، ويبيض ويفرخ بعد أن يتولد ، وهو ينشأ أولا من التراب ، لا سيما في الأماكن المظلمة ، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع ، وهو أحدب نزاء . ويقال : إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها وخرطوم يمص به . وحكمه : تحريم الأكل واستحباب قتله للحلال والمحرم ، ولا يسب لما روى الإمام أحمد والبزار والبخاري في الأدب والطبراني في الدعوات عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سمع رجلا يسب برغوثا . فقال : لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر . وفي معجم الطبراني عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه . قال : ذكرت البراغيث عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر » . وفيه عن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال : نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؛ « لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر اللَّه تعالى » . ويعفى عن قليل دمها في الثوب والبدن لعموم البلوى به وعسر الاحتراز . وقال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ، ما لم يتفاحش . قال أصحابنا : ولا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان : أصحهما العفو أيضا . وكذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق والبعوض وشبههما . وسئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه ؟ وإذا عرق فيه هل يصلي فيه ؟ وهل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه ؟ وهل يندب له غسله قبل وقته المعتاد ؟ فأجاب نعم ينجس الثوب والبدن بذلك ولا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة وغسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه . وكانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم . وأما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين ، كما قاله النووي ، العفو عنه مطلقا

--> « 1 » في الوفيات « لست أدري أيها » . « 2 » سورة الأنبياء : الآية 3 . « 3 » سورة القمر : الآية 7 . « 4 » الأديب الكبير عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان المتوفى سنة 255 ه - . « 5 » البرمكي : يحيى بن خالد ، وزير هارون الرشيد ، أبو الفضل ، وكان من العقلاء البلغاء . مات في سجنه سنة 190 ه - بعد نكبة البرامكة .